ابن كثير
263
البداية والنهاية
كثيرة ، وديانة وعبادة ، وكان من أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وكان قد وقع بينه وبين القاضي الشافعي مشاجرات بسبب أمور ، ثم اصطلحا فيما بعد ذلك . وفي يوم الاثنين ثاني عشره بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارا شديدا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا ، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون ، مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع ، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون ، فلم يزدد الامر إلا شدة ، وبالله المستعان . وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة وخمسين ، وأكثر من ذلك ، خارجا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة ، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير ، يقال إنه بلغ ألفا في كثير من الأيتام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وصلي بعد الظهر من هذا اليوم بالجامع المظفري على الشيخ إبراهيم بن المحب ، الذي كان يحدث في الجامع الأموي وجامع تنكز ، وكان مجلسه كثير الجمع لصلاحه وحسن ما كان يؤديه من المواعيد النافعة ، ودفن بسفح قاسيون ، وكانت جنازته حافلة رحمه الله . وعملت المواعيد بالجامع الأموي ليلة سبع وعشرين من رجب ، يقولون ليلة المعراج ، ولم يجتمع الناس فيه على العادة لكثرة من مات منهم ، ولشغل كثير من الناس بمرضاهم وموتاهم . واتفق في هذه الليلة أنه تأخر جماعة من الناس في الخيم ظاهر البلد فجاؤوا ليدخلوا من باب النصر على عادتهم في ذلك ، فكأنه اجتمع خلق منهم بين البابين فهلك كثير منهم كنحو ما يهلك الناس في هذا الحين على الجنائز ، فانزعج نائب السلطنة فخرج فوجدهم فأمر بجمعهم ، فلما أصبح الناس أمر بتسميرهم ثم عفا عنهم وضرب متولي البلد ضربا شديدا ، وسمر نائبه في الليل ، وسمر البواب بباب النصر ، وأمر أن لا يمشي أحد بعد عشاء الآخرة ، ثم تسمح لهم في ذلك . واستهل شهر شعبان والفناء في الناس كثير جدا ، وربما أنتنت البلد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وتوفي الشيخ شمس الدين بن الصلاح مدرس القيمرية الكبيرة بالمطرزيين ، يوم الخميس ثالث عشر شعبان وفي يوم الجمعة رابع عشر شعبان صلي بعد الصلاة على جماعة كثيرة ، منهم القاضي عماد الدين بن الشيرازي ، محتسب البلد ، وكان من أكابر رؤوساء دمشق ، وولي نظر الجامع مدة ، وفي بعض الأوقاف نظر الأوقاف ، وجمع له في وقت بينهما ودفن بسفح قاسيون . وفي العشر الأخير من شهر شوال توفي الأمير قرابغا دويدار النائب ، بداره غربي حكر السماق ، وقد أنشأ له إلى جانبها تربة ومسجدا ، وهو الذي أنشأ السويقة المجددة عند داره ، وعمل لها بابين شرقيا وغربيا ، وضمنت بقيمة كثيرة بسبب جاهه ، ثم بارت وهجرت لقلة الحاجة إليها ، وحضر الأمراء والقضاة والأكابر جنازته ، ودفن بتربته هناك ، وترك أموالا جزيلة وحواصل كثيرة جدا ، أخذه مخدومه نائب السلطنة .